فخر الدين الرازي

517

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وَقَدْ كَفَرُوا الواو للحال ، أي وحالهم أنهم كفروا : بِما جاءَكُمْ مِنَ الدين الْحَقِّ ، وقيل : من القرآن يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ يعني من مكة إلى المدينة أَنْ تُؤْمِنُوا أي لأن تؤمنوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ وقوله : إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ قال الزجاج : هو شرط جوابه متقدم وهو : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ، وقوله : جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي منصوبان لأنهما مفعولان لهما ، تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ عن مقاتل بالنصيحة ، ثم ذكر أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء ، فقال : وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ من المودة للكفار وَما أَعْلَنْتُمْ أي أظهرتم ، ولا يبعد أن يكون هذا عاما في كل ما يخفى ويعلن ، قال بعضهم : هو أعلم بسرائر العبد وخفاياه وظاهره ، وباطنه ، من أفعاله وأحواله ، وقوله : وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ يجوز أن تكون الكناية راجعة إلى الإسرار ، وإلى الإلقاء ، وإلى اتخاذ الكفار أولياء ، لما أن هذه الأفعال مذكورة من قبل ، وقوله تعالى : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ فيه وجهان : الأول : عن ابن عباس : أنه عدل عن قصد الإيمان في اعتقاده ، وعن مقاتل : قد أخطأ قصد الطريق عن الهدى ، ثم في الآية مباحث : الأول : إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ متعلق بلا تتخذوا ، يعني لا تتلوا أعدائي إن كنتم أوليائي ، و تُسِرُّونَ استئناف ، معناه : أي طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي . الثاني : لقائل أن يقول : إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ الآية ، قضية شرطية ، ولو كان كذلك فلا يمكن وجود الشرط ، وهو قوله : إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ بدون ذلك النهي ، ومن المعلوم أنه يمكن ، فنقول : هذا المجموع شرط لمقتضى ذلك النهي ، لا للنهي بصريح اللفظ ، ولا يمكن وجود المجموع بدون ذلك لأن ذلك موجود دائما ، فالفائدة في ابتغاء مرضاتي ظاهرة ، إذ الخروج قد يكون ابتغاء لمرضاة اللَّه وقد لا يكون . الثالث : قال تعالى : بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ ولم يقل : بما أسررتم وما أعلنتم ، مع أنه أليق بما سبق وهو تُسِرُّونَ ، فنقول فيه من المبالغة ما ليس في ذلك ، فإن الإخفاء أبلغ من الإسرار ، دل عليه قوله : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [ طه : 7 ] أي أخفى من السر . الرابع : قال : بِما أَخْفَيْتُمْ قدم العلم بالإخفاء على الإعلان ، مع أن ذلك مستلزم لهذا من غير عكس . فنقول هذا بالنسبة إلى علمنا ، لا بالنسبة إلى علمه تعالى ، إذ هما سيان في علمه كما مر ، ولأن المقصود هو بيان ما هو الأخفى وهو الكفر ، فيكون مقدما . الخامس : قال تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ ما الفائدة في قوله : مِنْكُمْ ومن المعلوم أن من فعل هذا الفعل فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ نقول : إذا كان المراد من مِنْكُمْ من المؤمنين فظاهر ، لأن من يفعل ذلك الفعل لا يلزم أن يكون مؤمنا . ثم إنه أخبر المؤمنين بعداوة كفار أهل مكة فقال : [ سورة الممتحنة ( 60 ) : الآيات 2 إلى 3 ] إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ( 2 ) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 3 ) يَثْقَفُوكُمْ يظفروا بكم ويتمكنوا منكم يَكُونُوا لَكُمْ في غاية العداوة ، وهو قول ابن عباس ، وقال